محمد أبو زهرة

2152

زهرة التفاسير

وأرجلهم من خلاف ، وإذا سرقوا وقتلوا قتلوا وصلبوا ، وإذا تجمعوا واتفقوا على ارتكاب الجرائم من غير أن يرتكبوا بالفعل كان النفي من الأرض ، أم تقصد حقيقة التخيير بأن يكون الإمام مخيرا غير مقيد بنوع في حال ، وبنوع آخر في حال أخرى يرتكبون فيها جريمة معينة ، بل ترك الأمر لتقديره ، وهو ينظر إلى مقدار الترويع بما يتناسب مع قوة الجناة من غير نظر إلى نوع ما ارتكبوا من جرائم ، ولا إلى مقداره إنما ينظر إلى مقدار الزجر والردع . ولقد قال بالقول الأول ، وهو أن « أو » لتنويع العقوبات بتنوع الجرائم بعض الصحابة والتابعين وجمهور الفقهاء ، وقال بالقول الثاني بعض التابعين ، ومالك والظاهرية . لقد روى عن ابن عباس أنه قال : ( إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا ، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا نفوا من الأرض ، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا نفوا من الأرض ) وبهذا القول أخذ الشافعي وأحمد وأبو حنيفة ، وبذلك تكون العقوبات أربعة أقسام ، مقسمة على أقسام الارتكاب ، والحجة لهذا الرأي الآثار المروية عن الصحابة ، والفقه في الموضوع أن هذه العقوبات لجرائم مختلفة المراتب ، فيجب أن تكون تابعة لقوة الجريمة ، وليس من المعقول أن جريمة الاتفاق والإرهاب تتساوى مع الإرهاب والقتل بالفعل ، أو الإرهاب والقتل والسلب ، أو الإرهاب والسلب بالفعل ، فالعدالة توجب ذلك التنويع وعلى ذلك يكون التخيير المأخوذ من كلمة « أو » هو لتنويع العقاب وليس لمطلق التخيير ، وإلا كان مؤدى التخيير أنه يجوز للإمام أن يكتفى بنفي الجناة إذا قتلوا أو سرقوا ، وأن ذلك باطل بالإجماع ؛ لأن السرقة توجب القطع ، فكيف بالسرقة الكبرى التي يكون فيها ذلك التجمع الآثم ، وإذا كان التخيير لا يمكن أن يفسر بالتخيير المطلق لهذا المعنى ، فإنه يجب أن يفسر بالتنويع ، لأن تفسيره بغيره يؤدى إلى ذلك الوجه الباطل ، وما يؤدى إلى الباطل باطل ، وإن التخيير المطلق في العقوبات إذا كان السبب الموجب للعقاب واحدا ،